Cari Blog Ini

Minggu, 13 November 2011

اللغة بين أصناف الدلالات



يرتبط لدى مؤسّسي الفكر اللغوي في الحضارة العربية الإسلامية مبحث الدلالة اللغوية بتصور شامل لأصناف شتى من الدلالات التي تقوم في جوهرها على فكرة الإفضاء إلى حقائق الأشياء أو المدلولات والمعاني بالاعتماد على أنواع من الأدلة.
ولقد شكل المنظور الشمولي لفكرة الدلالة دائرة واسعة استوعبت على المستوى المبدئي كل ما يمكن أن يصدر عنه فعل الإبانة عامة، فكما يرى الجاحظ أن "البيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله كائناً ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان ذلك الدليل" (1) طالما أن المعتبر هو إباحة الدليل بمخزونه ومحتواه.
ولقد تواتر ذكر أصناف دلالية خمسة قام الجاحظ برصدها أيضاً، إذ يرى أن "جميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ، خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد: أولها اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد، ثم الخط، ثم الحال التي تسمى نصبة" (2).
وشكلت هذه الأصناف لدى غيره حضوراً متكرراً كلما استدعى المقام التعرض لمسائل الدلالة (3).
وينتظم هذه الأصناف من الدلالات أصول عامة تتمثل في منطلقات عقائدية بالخصوص، يستحيل بموجبها فعل الدلالة طرقاً على المطلق ومعانقة لأصل الوجود (4)، دون أن نغفل أساس الحاجات الاجتماعية المتجسدة أساساً في الاضطرار إلى الاتصال وتكييف بعض هذه الأصناف وفق هذه الوظيفة.
وباعتماد العقل المفتق لخصائص الإفضاء بالدلالة بحسب طبيعة أنظمة الأدلة ووظائفها يتم تنزيل تلك الدلالات أصنافاً أو أنواعاً رئيسية حيث
يبدو "توافق عام عند العرب على تقسيم الدلالة ثلاثة أنواع: عقلية وطبيعية ووضعية" (5). وهذا التمييز إذ يبيح إمكان ضبط الفروق بين هذه الأنساق الدلالية المؤسسة على رصد دقائق الإدلاء بين طرفي كل دليل وطبيعة ذلك الإدلاء القائمة على أساس طبيعي أو عقلي أو عرفي يمكّن من استجلاء خصائص الدليل اللغوي في هذا الإطار الشامل. إلا أن المقام لا يبيح لنا متابعة هذه الخصائص ولا ضبط تلك الفروق، إنما نكتفي بالإشارة إلى أنه وقع في التراث العربي الإسلامي تمييز الدليل اللغوي بخاصية الاعتباط باعتباره يتنزل في متصور العرف مقابل وسم غيره من أنظمة الأدلة الأخرى المترتبة في خانة النسق الطبيعي والمنطقي بسمة الاضطرار. واستحالت خاصية الاعتباط معياراً لضبط الجهاز اللغوي وطاقته الإبلاغية (6). ولقد ترتب على هذا التمييز النوعي أن تبوأت اللغة مكانة لائقة تكفل لها الاستجابة لحاجة الاجتماع البشري إلى الاتصال باعتبارها الوسيلة الأولى المحققة لهذه الغاية.

ورغم ما حظيت به اللغة في التراث العربي الإسلامي من مكانة وما شكله استقصاء البحث فيها من غنى، إذ يكفي للتدليل على ذلك الإشارة إلى ثراء المعارف التي عرفتها هذه الحضارة التي أسسها الاعتكاف على قراءة الظاهرة اللغوية قراءاتٍ كان محورها القرآن الكريم، وقد تنزلت اللغة في هذا التراث منزلة المعرف للكائن العاقل، إذ أنه تواتر – تحت تأثير يوناني لا شك – تعريف الإنسان بأنه حيوان ناطق، فإنه حظيت مع ذلك بعض الأدلة بمتابعة وتقصٍّ، وشكلت منطلقاً صحب الدليل اللغوي ميلاداً ووظيفة، كدلالة الإشارة التي تتحقق بكيفيات شتّى، تثريها مرونة العضو أو الكيفية التي بها تؤدّى، إذ قد تكون "باليد والرأس" (7)، وتتحقق برفع الحواجب وكسر الأجفان، وليِّ الشفاه وتحريك الأعناق، وقبض الوجوه، وأبعدها أن تلوي بثوب على مقطع جبل تجاه عين الناظر (8). وقد تكون وحياً إذ هو "الإبانة عما في النفس بغير المشافهة على أي معنى وقعت من إيماء وإشارة (9)، لتأخذ أخيراً اصطلاح الرمز الذي "يكون بالشفتين والحاجبين والعينين" (10)، علماً بأن للرمز إطاراً وظيفياً آخر أكثر شمولاً يتعادل مع فكرة الإيحاء بالدلالة عن طريق تشكيل صوري يأخذ طابع التعبير غير المباشر عن المقصود، كما شخّصه الفيلسوف الكندي في شرح الرؤيا الرمزية إذ يرى أن "الرامزة فإنها إذا كانت الآلة أقل تهيؤاً لقبول أنباء النفس الحي بها، بالأشياء فإنها حينئذ تحتال وتتلطف لاتخاذ الحي ما أرادت اتخاذه إياه بالرمز: فمثلاً أقول كأنها أرادت أن تريه سفراً، فأرته ذاته طائرة من مكان إلى مكان، فرمزت له بالنقلة" (11). ولقد نبه القرآن الكريم إلى الإيحاء بالرمز في قوله تعالى لزكريا عليه السلام" آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً" (12). وتتنزل هذه الآراء في مجرى السيميائيّة التي "هي علم الأدلة" (13) هذا العلم الذي ضبط مشروعه الحديث شارل بيرس ودي سوسير (14)، ولكن يعنينا الإشارة في هذه الوقفة إلى ما جلاه صانعو التراث العربي الإسلامي من صلة عميقة بين الإشارة والعبارة اللغوية، إذ كما
يرى ابن سينا "إن الإشارة إذا اقترنت بالعبارة أوقعت المعنى في النفس إيقاعاً جلياً" (15)، وإن انحسار الدوال أمام عدم تناهي المدلولات في تصور الجاحظ أوجب تعاضد الإشارة مع اللغة أحياناً لإيفاء الدلالة حقها إذ "لابد لبيان اللسان من أمور: منها إشارة اليد" (16)، ومن هنا احتاج التعبير اللغوي في نظره إلى أن يدعم بوسائل أخرى خاصة حين يتعلق الأمر بخاص الخاص (17).
هذا من منظور دعم دلالة اللغة بغيرها من وسائل الإبانة لتحقيق غاية الإبلاغ والتوصيل، إلا أن للإشارة دوراً أولياً في ميلاد الظاهرة اللغوية نفسها في تصور أولئك المفكرين، إذ لابد أن يتحقق شرط سبق الإشارة ليمكن للمواضعة اللغوية الميلاد ما دامت تقوم على خاصية الاعتباط، من هنا تصوروا "أن اللغة لا تستقيم في أول نشأتها إلا إذا استندت إلى نظام علامي مغاير لها ومتقدم عليها في نفس الوقت، ونموذج هذا النظام العلامي المولد للحدث اللساني الكامل هو الإشارة" (18).
وإذا كان ما سبق متعلقاً بأمر نشأة اللغة وحاجة هذه النشأة إلى سند الإشارة الذي لا يعنينا أكثر من إيراده سريعاً، فإنه يتعلق به في مجرى قناعات مؤسسي الفكر اللغوي في الحضارة العربية الإسلامية تولد المتصورات الذهنية من مراجعها المتمثلة في أعيان الأشياء والموجودات، وذلك في إطار منظور يبتغي حصر كيفيات حصول المعرفة من جهة، ومعاينة الترابط بين المتصورات الذهنية ودوالها الحسية من جهة أخرى. وتتنزل هذه المتابعة ضمن رصيد شامل يبدأ بمعاينة المراجع ويختم بدليل الكتابة، وكثيراً ما يتسلسل الرصد في شكل منعكس مع طبيعة النشأة في الزمان، إذ كما يرى الفيلسوف الكندي "فإن الخط الذي هو جوهر منبئ عن اللفظ الذي هو جوهر، واللفظ الذي هو جوهر منبئ عن المفكر فيه الذي هو جوهر، والمفكر فيه الذي هو جوهر منبئ عن العين الذي هو جوهر" (19). ولكن حازماً القرطاجني – ككثير من المنظرين  - استطاع أن يبلور حصول المعاني الذهنية عند معاينة الأشياء العينية في إطار من التتبع الراصد لكيفيات التناسخ الحاصل بين هذه الأصناف من الأدلة، يقول:" إن المعاني هي الصور الحاصلة في الأذهان عن الأشياء الموجودة في الأعيان. فكل شيء له وجود خارج الذهن فإنه إذا أدرك حصلت له صورة في الذهن تطابق لما أدرك منه. فإذا عبر عن تلك الصور الذهنية في أفهام السامعين وأذهانهم فصار للمعنى وجود آخر من جهة دلالة الألفاظ. فإذا احتيج إلى وضع رسوم من الخط تدل على الألفاظ من لم يتهيأ لـه سمعها من المتلفظ بها صارت رسوم الخط تقيم في الأفهام هيئات الألفاظ فتقوم بها في الأذهان صورة المعاني فيكون لها أيضاً وجود من جهة دلالة الخط على الألفاظ الدالة عليها" (20).
ورغم الإقرار بسبق الوعي بوجود الأشياء في الأعيان إذ إنه شرط حصول الصورة في الأذهان، فإن عملية الارتسام الصوري في الذهن للمدرك العينيّ تصاحب حتماً لحظة الشعور به، ويتأكد ذلك خاصة حين ينعكس الذهن على نفسه مستخلصاً المجردات وتستحيل المراجع عندها صوراً ذهنية، إنما كان إلحاح القدماء متركزاً لضمان حصول الصورة الذهنية على اشتراط ":كون الأشياء الموجودات حقاً في أنفسها" (21) ذلك أنه إذا "لم يكن للشيء ثبوت في نفسه، لم يرتسم في النفس مثاله" (22). كما أن التعبير رهن بحصول الصورة الذهنية، ومن هنا أشاروا إلى خاصية التطابق بين هذه الأركان. يقول الغزالي أيضاً: "ولو لم يكن وجود في الأعيان لم تنطبع صورة في الأذهان، ولو لم تنطبع صورة في الأذهان ولم يشعر به إنسان، لم يعبر عنه باللسان. فإذاً، اللفظ والعلم والمعلوم ثلاثة أمور متباينة، لكنها متطابقة متوازية" (23). فإذا كان التوازي والتطابق بين هذه الأركان يكشفان أن "الفلاسفة العرب القدامى أدركوا أن هنالك علاقة بين تركيب اللغة وتركيب العقل وتركيب الواقع" (24). وهذا إن اعتمدنا منظوراً فلسفياً في قراءة ما سبق، فإن ذلك يتضمن أيضاً رؤية لغوية ترى أن: "الوجود في الأعيان والأذهان لا يختلف بالبلاد والأمم بخلاف الألفاظ و الكتابة فإنهما دالتان بالوضع والاصطلاح" (25)، وهذا مخالف للفهم الحديث، إذ إن المفاهيم التي تتحدد كياناتها بالألفاظ في لسان ما ليست مطابقة بالضرورة للمفاهيم التي تحددها لغة أخرى (26).
وهذه النتيجة تستوجب البحث في العلاقة المتولدة من تفاعل "العام والخاص" الصورة الذهنية المجردة ودالها الحسي. من هنا يستوجب ضغط التقصي وحصره في طرفي الدلالة اللغوية بغية الكشف عن صلة اللغة بالفكر في نظر منظّري التراث العربي الإسلامي.

علاقة اللغة بالفكر:

والإقرار فيما سلف باستناد الظاهرة اللغوية إلى خاصية الوضع والاصطلاح وهو أمر راسخ الثبوت في التراث العربي الإسلامي سواء كانت الألفاظ موضوعة إزاء الصور الذهنية، أي الصورة التي تصورها الواضع في ذهنه عند إرادة الوضع أم بإزاء الماهيات الخارجية (27)، فإن ذلك يتضمن الإقرار أيضاً بخاصية الاعتباط (28) في الحدث اللغوي، لكنها خاصية تصحب المواضعة لحظة النشأة والتكوين فحسب ذلك "أن الاعتباط تعسف من حيث هو متنزل في مبدأ الاقتران ومنطلق الاتصال، وما إن يطرد اتصال الدال في اللغة بمدلوله طبقاً لتواتر الزمانية حتى يرتفع التحكّم الأولي عند لحظة الاقتران الدلالي" (29).
وتلازم الدوال لمدلولاتها المتولد من اطراد الاستعمال هو الذي يهيّئ لعملية الفكر أن تكون، ذلك أن تكامل الصور الذهنية النائبة عن مراجعها مع دوالها الحسية، فضلاً عن أنه يمكّن الذهن من ممارسة عملية التفكير التي لا تتحقق إلا بتفاعل الدوال والمدلولات، يفسح المجال لكمال هذه الفعالية بوضع قواعد استخلاص المفاهيم والمجردات من الصور الفردية التي هي انعكاس لأعيان الأشياء، ثم يتيح لعمل الفكر المتحقق لغة أن يستبطن ذاته ويتأمل نفسه كما عرف في الثقافة العربية الإسلامية بحديث النفس.
وعملية التلازم إذ تتبلور أو ما تتبلور في تلازم الدال والمدلول على محور الاستبدال، كما عبر عن ذلك ابن سينا في قوله "ومعنى دلالة اللفظ أن يكون إذا ارتسم في الخيال مسموع اسم ارتسم في النفس معنى، فتعرف النفس أن هذا المسموع لهذا المفهوم. فكلما أورده الحس على النفس التفتت إلى معناه"
(30). والعكس وارد إذ كلما حضر المدلول بالبال صحبه الدال (31)، إلا أن عملية التلازم تبلغ أقصى درجات التفاعل في محور التوزيع، فيعمد الذهن  إلى  نضد الوحدات الدالة في لحمة متكاملة لتحقيق غايات الاتصال أو التعبير عموماً، فتنتظم الوحدات انتظاماً متفاعلاً يطبع العبارة بطابع التفرد الدلالي والتوحد المعنوي (32).
ولقد كان من المسلّم به في التراث العربي الإسلامي التمييز بين النطق الحادث في اللسان المتجسد في الصوت المعبر عما في النفس، والنطق النفسي، كما يقول الفارابي مدققاً في معاني مصطلح "منطق" فيرى: أنه مشتق من النطق وهي لفظة دالة على معانٍ، منها الدلالة على القول الخارج بالصوت، وهو الذي به تكون عبارة اللسان عما في الضمير، والثاني القول المتمركز في النفس، وهو المعقولات التي تدل عليها الألفاظ (33). أما النطق الداخلي عند الشهرستاني فيطلق على التمييز العقلي والتفكير النفساني والتصور الخيالي، وهو معانٍ مختلفة في ذهن الإنسان، ويتفق مع الفارابي في تعريف النطق الخارجي (34).
ويلزم مما سبق، عند قصد التعبير وإلباس الداخلي جسم الأصوات اللغوية، إحداث التطابق والتحاذي بين بنية العبارة المجسدة للنطق الخارجي وبنية "المنطوق" الداخلي المجسد للمعاني النفسية، ذلك أنه "لم يرد بين تركيب الألفاظ وبين تركيب المعقولات فرق" (35). من هنا يكون الفعل المجسد للوحدة المزدوجة المتقابلة متحققاً في مستويين: يكون المستوى الظاهري فيهما انبثاقاً من الباطن ومحاكاة له. وهذا بالقدر الذي يهيئ منطقياً ولغوياً لطرح معضلة اللفظ والمعنى، بقدر ما يمهد لترسيخ فكرة التشاكل بين بنية الدوال الخارجية وبنية المدلولات الداخلية. يقول الفارابي متابعاً تأصيل هذه الفكرة بحيث يرى أنه يحصل "تركيب الألفاظ شبيهاً بتركيب المعاني المركبة التي تدل عليها تلك الألفاظ المركبة، وتجعل في الألفاظ المركبة أشياء ترتبط بها الألفاظ بعضها إلى بعض متى كانت الألفاظ دالة على معانٍ مركبةٍ ترتبط بعضها ببعض. ويتحرى أن يجعل ترتيب الألفاظ مساوياً لترتيب المعاني في النفس" (36).
إن القصد إلى تحقيق مستلزمات وحدة الملفوظ والمعنى النفسي، يبدو جلياً لدى غير الفارابي من منظّري الثقافة العربية الإسلامية، فهي إذ تأخذ نفسها الأعمق لدى مزاولي العمل المنطقي والفلسفي، تجد لها الحضور الأكيد أيضاً عند غيرهم فقد شكلت أساساً بلور أصول التنظير لدى البعض كما هو الحال مع عبد القاهر الجرجاني الذي سيملي علينا شرط إيفائه حقه من التقصي وقفة متأنية في موقعها من البحث (37). أما عند ابن سينا فما دام المنطلق أيضاً في ضبط الحاجة إلى القول "هي الدلالة على ما في النفس"(38) أصبح لزاماً العلم بأن "في الألفاظ والآثار التي في النفس ما هو مفرد وفيها ما هو مركب. والأمر فيها متحاذ متطابق"(39)، لتستحيل المسألة لدى الشهرستاني إلى إقرار مبدئي باستحالة تحقيق الكلام المنطوق مع تصور الانتفاء النفسي، ويصبح مبدأ المطابقة لزومياً لتحقيق حدث الكلام فلولا "مطابقة الألفاظ اللسانية معانيها النفسانية لم يكن كلاماً أصلاً" (40). وهكذا يتولد من فعل المطابقة وحدة البعد الدلالي في العبارة الواحدة إذ يكون "لكل عبارة خاصة مدلول خاص متميز عن سائر المدلولات وهذا أوضح ما تقرر (41)، ذلك أن أحد معنيي وحدة الكلام المركب كما يرى ابن رشد يتحقق "إذا دل على معنى واحد" (42).
يعمق هذا المجرى الملحّ على تحقيق التماثل بين بنيتي الدوال الخارجية والمدلولات الداخلية بقيامه على اقتناع مبدئي يقوم على تركيز وظيفة اللغة أساساً في استكشاف المعاني وجلائها، وهذا الأمر إذ يشكل مسلمة لدى الفلاسفة خاصة التي أملتها المنطلقات المنطقية التي مثلت قاعدة هؤلاء في مقاربة ظاهرة اللغة، كما تبدو راسخة لدى المتكلمين بشتى طوائفهم أيضاً، مع رسوخ قضية الكلام النفسي، تماماً كحضورها في البحث اللغوي الخالص الذي نجتزئ منه في الإلماح إلى هذه الظاهرة قول ابن فارس حيث يرى أن الاسم جعل تنويهاً ودلالة على المعنى (43)، وابن جنّي الذي يعتبر أن زينة الألفاظ وحليتها لم يقصد بها إلا تحصين المعاني وحيطتها. فالمعنى إذن هو المكرّم المخدوم، واللفظ هو المبتذل الخادم (44) لتستحيل العلاقة بين الطرفين في رأيه إلى علاقة الوعاء بما يحتويه (45). ولعل مما يشفع لمثل هذه المواقف أنها لم تستهن ببنية الألفاظ (46)، وأن زاوية الرؤية المحكومة في ما سلف بقضية الوظيفة هي التي أملت مثل ما سبق، وسنجد لدى منظرّي التراث العربي الإسلامي الإلحاح المتكرر على فكرة التشاكل والتطابق بين المعاني والألفاظ.
غير أنه في بعض المواقف يتأسس بحث صلة الألفاظ بالمعاني على منظور يوازي بين القطبين، فيجزم مثلاً أن الخلاف بين اللفظ والمعنى هو "أن اللفظ طبيعي والمعنى عقلي، وبهذا كان اللفظ بائداً على الزمان، لأن الزمان يقفو أثر الطبيعة بأثر آخر من الطبيعة ولهذا كان المعنى ثابتاً على الزمان،
لأن مستملي المعنى عقل، والعقل إلهي، ومادة اللفظ طينية، وكل طيني متهافت" (47). وثبات المعنى على الزمان يأخذ صبغة شمولية تتجاوز الإنساني أيضاً، ذلك: "أن كلام الملائكة إنما هو إشارات وإيماء، وكلام الناس عبارات وألفاظ. وأما المعاني فهي مشتركة بين الجميع" (48) وتكون المصادرة في نهاية المطاف على ثنائية الحقيقة والثبوت الموسوم بهما المعنى النفسي، مقابل انعدامهما في النطق اللساني (49). وهذه الآراء بالإضافة  إلى  أنها محكومة بالإقرار بكون المعاني صوراً لمراجع لها الوجود الحق في الأعيان، فإنها تقوم على مسلمة تماثل المعاني المنطبعة في النفس لدى الجميع في حين تقوم الظاهرة اللغوية على التواضع والاصطلاح، ومن ثمة على الاختلاف والتباين، وهذا لا يمنع تحقيق التطابق بين طرفي الدلالة، ذلك أن عملية إخراج الكلام النفسي إلى الوجود الفعلي لا تتم إلا عبر النطق اللساني، وأن التفكير الداخلي لا يتحقق إلا بواسطة الألفاظ.
وتأخذ المقارنة لدى الجاحظ بعداً آخر يقوم على التسليم بأن "المعاني مبسوطة إلى غير غاية، وممتدة إلى غير نهاية، وأسماء المعاني مقصورة معدودة ومحصلة محدودة" (50)، وعدم التكافؤ لا يمنع من تحقيق إمكان التعبير عن أي معنى يخطر بالبال بلفظ ملائم، ما دامت عملية التعبير نفسها تقوم على نضد ألفاظ في تركيب متضمن لمعنى، وتتكامل الوجوه المتعددة التي تتحقق بها الأشكال المختلفة للتراكيب مع قابلية الذهن لتفتيق شتى المعاني، لكن المقابلة لدى الجاحظ إذ تظل في حدود الدال والمدلول المفردين تقرر أنه "لا يكون اللفظ اسماً إلا وهو مضمن بمعنى، وقد يكون المعنى ولا اسم له" (51). لكن يبدو أن أمر هذه الكينونة نسبي "وأن القطيعة ليست مطلقة" (52)، إذ أن هذه المعاني المختلجة في صدور الناس "موجودة في معنى معدومة" (53)، ذلك أن الوجود الحق للمعنى لا يتحقق إلا في الحين الذي يتزيّن فيه بلبوس اللفظ.
ولكن ابن المدبر لا يخالجه الشك في تقرير أن "المعاني وإن كانت كامنة في الصدور، فإنها مصورة فيها، ومتصلة بها، وهي كاللآلئ المنظومة في أصدافها، والنار المخبوءة في أحجارها، فإن أظهرته من أكنانه وأصدافه، تبين حسنه (كذا) وإن قدحت النار من مكامنها وأحجارها انتفعت بها، وإلا بقيت محجوبة مستورة" (54)؛ غير أنه يبدو لنا أن القول بكمون المعاني في الصدور لا يتطابق تماماً مع وصفها بالاستقلال الذاتي عن الكلمات المعبرة عنها (55)، ذلك أن كمون المعاني في الصدور ككمون النار في الحجارة لها خاصية الوجود بالقوة الذي يمر  إلى  الفعل بعامل الاقتداح أو التعبير، فكأن الوجود الحق يتم باقتداح شرارة المعنى باللفظ، وقد يدعم ذلك اعتماد ابن المدبر لتوضيح الفكرة ترداد ما شاع من تشبيههم "المعنى الخفي بالروح الخفي، واللفظ الظاهر بالجسمان الظاهر" (56). ومع ذلك نلمس لدى أولئك المنظرين وقفات تخفف من غلواء وسم مواقفهم بتأكيد الفصل دوماً.
لذا يتأسس لدى أبي حيان التوحيدي جدل الصحة والبطلان في علاقة ثنائية تلحم الألفاظ والمعاني إذ كل "ما صح معناه صح اللفظ به، وما بطل معناه بطل اللفظ به" (57) يكون كل فكر مميز صحيح إنما يتيسر تحقيقه باللغة مراعاة لوظيفتها في الكشف عن هذا الفكر ذلك أن "الأغراض المعقولة والمعاني المدركة لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف" (58).
أما المصادرة لدى إخوان الصفاء فتسلم مبدئياً بفكرة التكامل الوجودي القائم بين الألفاظ والمعاني المشابه لتكامل الأرواح والأجساد (59)، ثم تأخذ هذه العلاقة طابعاً أكثر خصوصية وذلك في تأكيد استحالة إخراج المعنى من كمون العدم إلى الوجود المعرف ما لم يصغ لفظاً ذلك ان "كل معنى لا يمكن أن يعبر عنه بلفظ ما في لغة ما فلا سبيل إلى معرفته" (60).
ومع ابن سينا يترسخ مبدأ حضور اللغة مع كل ممارسة فكرية تبتغي إجراءً عملياً يقصد الإبلاغ، أو ممارسة باطنية تقوم على التأمّل وقراءة الذات داخلياً، إذ ما دام أن الاكتساب اللغوي يقوم على قاعدتي الارتسام المزدوج للمدلول والدال في آنٍ واحد، يكون كل استحضار لأحدهما رهناً بحضور الآخر، ذلك أن "الألفاظ إذا سمعت أدرك مع سماعها معنى، فارتسم في النفس المعنى واللفظ معاً. فكلما خطر بالبال ذلك المعنى أدرك اللفظ، وكلما سمع ذلك اللفظ أدرك المعنى (61)؛ ومن هنا يكون كل فعل واع يقصد إحداث ترتيب داخلي في معنى نفسي لا يتيسر قيامه إلا باللفظ. فمن "المتعذّر على الروية أن ترتب المعاني من غير أن تتخيل معها ألفاظها، بل تكاد تكون الروية مناجاة من الإنسان ذهنه بألفاظ متخيلة" (62).
ومع أن الشهرستاني يورد اعتراضاً اعتزالياً يدحض مقولة الكلام النفسي، إلا أنه يدقق في مبدأ الخواطر التي تنتاب الإنسان فلا يرى لها إمكان التحقق إلا باللغة، وإذ تظل القضية امتداداً لما طرح ابن سينا تبحث لنفسها عن برهان بالنقيض من عدم الكلام جملة. فقد "قالت المعتزلة نحن لا ننكر الخواطر التي تطرأ على قلب الإنسان وربما نسميها أحاديث النفس إما مجازاً وإما حقيقة" غير أنها تقديرات للعبارات التي في اللسان ألا ترى أن من لم يعرف كلمة بالعربية لا يخطر بباله كلام العرب ومن لا يعرف العجمية لا يطرأ عليه كلام العجم، و من عرف اللسانَين تارةً تحدث نفسه بلسان العرب وتارة بلسان العجم. فعلم على الحقيقة أنها تقديرات وأحاديث تابعة للعبارة التي تعلمها الإنسان في أول نشوئه. والعبارات هي أصول لها منها تصدر وعليها ترد، حتى لو قدرنا إنساناً خالياً من العبارات كلها أبكم لا يقدر على نطق لم نشك أن نفسه لا تحدثه بعربية ولا عجمية ولا لسان من الألسن وعقله يعقل كل معقول وإن كان يعرى عن كل مسموع ومنقول" (63)؛ وإن كان الفكر الحديث المستجلي علائق اللغة بالفكر لا يوافق الشهرستاني الإقرار بأن الأبكم الخالي عن العبارات يعقل كل معقول، فقد ثبت أن إدراكه للأمور إدراك ناقص وأنه بالإضافة إلى تضايقه في علاقاته مع غيره محدود الفكر على المستوى الذاتي أيضاً (64).
ويمكننا الإشارة إلى أن المنظور المعاصر المدقق في علاقة اللغة بالفكر مغاير للمنظور القديم فضلاً عن تباين المنظورين في المنطلقات المؤسسة للبحث في الظاهرة اللغوية عموماً، إذ بالقدر الذي تمثل فيه ارتباط اللغة في التصور القديم بالعقل من خلال اعتبارها الأداة التي تجلو ما يختمر فيه من فكر، قام البحث اللساني الحديث بتنزيل اللغة في خضم الأداء وربطها تعريفياً بوظيفتها التي هي الإبلاغ القائمة بماهيتها على تعريف مستند إلى البنية (65).
ففي التراث العربي الإسلامي ومن زاوية علاقة اللغة بالفكر قام التقصي على قاعدة أسندت فيها إلى اللغة وظيفة التعبير عن محتوى العقل من أفكار، وكأن عملية التعبير وفق هذا المنطلق تقتضي أن تكون "الكلمات موضوعة إزاء أفكار" (66).وهذا الوضع بقدر ما يرسخ فكرة التحاذي والتوازي بين الطرفين (67)، يعتبر اللغة واسطة الفكر كما يبدو في إقرار منظري التراث أن عملية التأمل وحوار الذات لا تتمّان إلا باللغة، والحق "أن المعاني لا تتبين بالكلام. المعاني تتبين كلاماً" (68). ومن هنا يطرد في التراث العربي الإسلامي تشبيه العلاقة بين الفكر واللغة بعلاقة الجسم باللباس، علماً بأن "اللغة ليست اللباس، ولكنها جسم الفكر نفسه" (69).
لكن ما يمكن أن نفيده من هذا الإيجاز العابر لقضايا الدلالة وصلة اللغة بالفكر في التراث العربي الإسلامي هو التمهيد لاستقصاء الرأي في إشكال اللفظ والمعنى بعد التأسيس لقواعده الفكرية، إذ نجد أبرز ما يمكن أن يجلو بعض المفاصل في ذلك الإشكال ويمهد لمحاصرة تنوعه هو الإجماع على خاصية التوازي بين الكلام النفسي والكلام اللساني، بالإلحاح على تحقيق مستويين من الوحدة في الكلام تقوم على تآلف المنطوق في اللسان والمنطبع في النفس، يعمق فيها بعد هذا المنطلق الموحد بين التأليفين الإلحاح على وظيفة اللغة في التعريف بمحتوى الفكر، مما يجلو خاصية التكامل بين المعرف وآلة التعريف. لكن استكمال بناء القواعد الأصولية المؤسسة لإشكال اللفظ والمعنى خاصة حين يتعلق الأمر بتقصي فعاليتهما في بنية النص – وهو موضوع البحث الرئيسي – يدعو إلى استقصاء مشكلة الكلام النفسي التي بالإضافة  إلى  أنها مثلت محوراً في البحث الكلامي تنازعت جذبه طوائف المتكلمين، مما أفرزت أنضج تصور عرفه التراث يجلو بمفاتيح متقدمة مسائل بنية النص بمصادرته على النظم.

قضية الكلام النفسي وأثرها في اللفظ والمعنى

وقضية الكلام النفسي هي قضية خلق القرآن بغير اختلاف (70)، فإذا كان "مذهب المشبهة والحلولية المجسمة، أن كلام الباري حروف وأصوات وأنه قديم" (71)، فإن قول "المعتزلة" و"الخوارج" وأكثر "الزيدية" و"المرجئة" وكثير من "الرافضة" : "أن القرآن كلام الله سبحانه، وأنه مخلوق لله، لم يكن ثم كان" (72) في حين يذهب "أهل الحق من الإسلاميين إلى كون الباري – تعالى – متكلماً بكلام قديم أزلي نفساني. أحادي الذات، ليس بحروف ولا أصوت" (73).
وجوهر الخلاف يكمن في تعريف الكلام: فالمختار عند المعتزلة في حد الكلام: "أنه ما حصل فيه نظام مخصوص من هذه الحروف المعقولة، حصل في حرفين أو حروف" (74). فإذا كان الكلام هو هذه الحروف المقطعة التي تركب في لفظ، فلا مناص من الإقرار بأن كلامه – أي الباري -، "محدث مخلوق في محل" (75). وليس لمعتنقي الكلام النفسي أن يحملوا القرآن المسموع لنا المقروء والمتلو على أن "المراد به العبارة عن كلام الله عز وجل ويزعموا أن ذلك محدث، وأن الكلام القديم سواه" (76). أما الكلام عند الأشاعرة فإنه "معنى قائم بالنفس يعبّر عنه بهذه الأصوات المسموعة تارةً وبغيرها أخرى" (77).
والتشعبات التي تولدها أوجه الخلاف لا تعنينا، إنما نبتغي الإحاطة بالوفاق الأشعري الذي جمع في رؤية شمولية بين صفتي القِدم والحداثة، فتم له الإبقاء على صلة بالمطلق من خلال تردد تلاوة القرآن وسماعه، وأسس بذلك قاعدة مزدوجة، يهتم أحد شقيها بالتدليل على الأصل الإلهي للقرآن وذلك بالاعتماد على قدم الكلام النفسي، ويوفر الثاني أسس التدليل على الإعجاز بالاستناد إلى الكلام المعبر عن القديم ليؤول هذا الأخير إلى نظرية شاملة في النص الأدبي عموماً.
تتجمع خيوط هذا الوفاق الثنائي بين يدي الباقلاني – الشارح الأكبر للمذهب – فيبدأ نسج لحمته وسداه بتأكيده أن كلام الله "صفة له قديمة لا يحتاج فيه  إلى  أداة من صوت أو حرف أو مخرج" (78)، وإن كان يجب أن يعلم "أن كلام الله تعالى مسموع لنا على الحقيقة لكن بواسطة وهو القارئ" (79)، فهو أي كلام الله تعالى "صفة لذاته لم يزل ولا يزال موصوفاً به وأنه قائم به ومختص به، ولا يصح وجوده بغيره، وإن كان محفوظاً بالقلوب، ومتداولاً بالألسن، ومكتوباً في المصاحف، ومقرءاً في المحاريب على الحقيقة لا على المجاز، وغير حال في شيء من ذلك" (80)، لكن كيف ينتفي عنه الحلول في أي واحد من ذلك وهو "في مصاحفنا مكتوب على الوجه الذي هو مكتوب في اللوح المحفوظ" (81).
والحل الذي نستظهره من كلام الباقلاني، وإن لم نقع على نص صريح فيه، هو أن القرآن قديم ومخلوق في الوقت نفسه (82). والجمع بين الصفتين على طريقة الأشاعرة – عامة- إقرار بحدوث الحروف وهي دلالات على الكلام، والدليل غير المدلول ولا يتصف بصفة المدلول (83).
لكن الباقلاني في سبيل إرساء قواعد للإعجاز يصف علاقة القدم والحداثة حسب مقتضيات تتالي الرسالات السماوية وطبائع الاجتماع البشري المتميز بالتفرد اللساني، فيتسنى وفقها للنسبي التعبير المتخصص عن المطلق في مرحلة أولى ليرتقي في الثانية إلى التدليل على أصله إفهاماً وإعجازاً كما نتحقق ذلك في القرآن الكريم، يقول: "فالكلام الحقيقي هو المعنى الموجود في النفس لكن جعل عليه أمارات تدل عليه، فتارة تكون قولاً بلسان على حكم أهل ذلك اللسان وما اصطلحوا عليه  وجرى عرفهم به وجعل لغة لهم، وقد بين تعالى ذلك بقولـه: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم"(84) فأخبر تعالى أنه أرسل موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل بلسان عبراني، فأفهم كلام الله القديم القائم بالنفس بالعبرانية، وبعث عيسى عليه السلام بلسان سرياني، فأفهم قومه كلام الله القديم بلسانهم، وبعث نبينا صلى الله عليه وسلم بلسان العرب، فأفهم قومه كلام الله القديم القائم بالنفس بكلامهم، فلغة العرب غير لغة العبرانية ولغة السريانية غيرهما، لكن الكلام القديم القائم بالنفس شيء واحد لا يختلف ولا يتغير" (85).
هنا يكمل الشق الأول من القضية إذ باشتراك الكتب المنزلة في الإبانة عن الكلام القديم يتحقق لها الأصل السماوي، إلا أنه تركز في القرآن بالإضافة إلى هذه الصفة، خاصية التحدي التي ولدت ظاهرة الإعجاز، لأنه لم يكن معجزاً "لكونه عبارة عن الكلام القديم، لأن التوراة والإنجيل عبارة عن الكلام القديم، وليس ذلك بمعجز في النظم والتأليف" (86) لأن جوهر التحدي – من منظور أشعري – إنما يقع في "الحروف المنظومة، التي هي عبارة عنه، في براعتها وفصاحتها و اختصارها وكثرة معانيها" (87). غير أن منطلق المعتزلة في التدليل على الإعجاز، حتى عند من يقول بالصرفة، لا يباين طروحات الأشاعرة عند الاعتكاف على النص، إذ الإقرار المبدئي بسمو فصاحة القرآن أو نظمه عن أن يضاهى يكيّف التدليل المشخص للظاهرة بالاحتكام إلى النص، من هنا لم تكن فكرة الكلام النفسي لدى الأشاعرة سوى منطلق مبدئي لا يمنع ظاهرة الإعجاز من أن يبني برهانها.
يهمنا من هذه العجالة، الإشارة  إلى  أن الاحتكام إلى قاعدة النظم في تحليل الخطاب البليغ عموماً سيرسّخ مبدأ تشاكل بنية الكلام الخارجية مع بنيته الداخلية إذ سيعتمد في أنضج طروحاته على بنية النص عموماً، ممتداً بفكرة تطابق اللفظ والمعنى إلى أقصى مراتبها في التراث، وسينتهي  إلى  أن الدلالة إفراز للحمة الوحدات كلياً في مستوى التركيب خاصة. من هنا لم يكن لفكرة الكلام النفسي أن تعكر مجرى التقصي في ثنايا وحدات اللغة والتغلغل في العلائق الناسجة لشبكة التفاعل بينها في بنية الخطاب.

مفهوم الهيولى والصورة وإشكال اللفظ والمعنى

ويبقى في فسحة البحث الفلسفي الذي عرفه التراث العربي الإسلامي أصل آخر شكّل على مستوى المفهوم والتصور رؤية شاملة لعلاقة التضام بين الألفاظ والمعاني، إذ ليس هذا التضام المؤلف بين العناصر إلا تجسيداً نوعياً لظاهرة التأليف المزدوج المؤسس على فكرة الهيولى والصورة المطبق على كل الموجودات. من هنا يمكن الموازاة بين فكرة الإخراج الصوري المعدد للهيولى الموجودة بالقوة حيث يهبها هذا الإخراج الوجود بالفعل وفكرة تأليف المنطوق اللساني المعبر عن هيئة التأليف الداخلية المنطبعة في النفس. صحيح أن الاختلاف العقائدي عميق بين فكرة الهيولى وفكرة الكلام النفسي أو القديم، إلا أنه يمكن إحداث التقارب بينهما حين يتعلق الأمر بالكلام المنطوق أو النص المكتوب، إذ سنجد أنه بالإضافة إلى أن فكرة الصورة والمادة ستفرز على مستوى المصطلح النقدي المتخصص فكرة صورة المعنى، فإنها ستعمق الوعي بتعاضدها مع أصول معرفية (88) أخرى لا تعنينا في هذا المقام الإقرار بأن خاصية النوعية للشعر وللأدب عموماً إنما مردها إلى كونه تشكيلاً لغوياً متميزاً. هذه الخصوصية التي ستحيل على مستوى النص  إلى  الإلحاح على ضرورة التكامل بين هيئة التأليف اللفظية وهيئة التأليف المعنوية، مثلما سيصطلح الفلاسفة خاصة ومن تأثر بهم كحازم القرطاجني.
وهذا يدعونا إلى الكشف عن هذا الأصل في مظانه الميتافيزيقية والمنطقية بالخصوص. وفكرة الصورة والمادة تقع ضمن شمول نظري يضعها في ما يسمى بنظرية العلل الأربع التي هي العنصر أو المادة والصورة والفاعل والغاية، فالعلل "الطبيعية إما أن تكون: عنصرية، وإما صورية، وإما فاعلة، وإما تمامية: أعني بالعنصرية عنصر الشيء الذي منه يكون الشيء، كالذهب الذي هو عنصر الدينار الذي منه كون الدينار وأعني بالصورة صورة الدينار التي باتحادها بالذهب كان الدينار، وأعني بالفاعلة صانع الدينار الذي وحد صورة الدينار بالذهب، وأعني بالتتامية ما له أحد الصانع صورة الدينار بالذهب، التي هي المنفعة بالدينار ونيل المطلوب به" (89).
هذه النظرية تملك عناصر البرهنة على كل علم، إذ في المنظور الأصولي لدى الفلاسفة لا يملك كل علم أن يصوغ لنفسه أصول البرهنة على قوانينه، بل يأخذها من العلم الكلي أي الإلهي المؤسس للعلل الأربع التي يستدل بها كل علم حسب حاجته لهذا العنصر أو ذاك من النظرية، فحاجة العلم الطبيعي إنما تكون لعنصري المادة والصورة ذلك "أن كل جسم طبيعي فهو متقوم الذات من جزءين أحدهما يقوم مقام الخشب من السرير ويقال له هيولى ومادة،والآخر يقوم مقام صورة السرير من السرير ويسمى صورة" (90).
لكنه لا يمتنع في تصور الفلاسفة أن يتحقق هذا الوجود في شكل متراكب تبدو فيه علاقة العنصرين ذات طابع إلصاقي خارجي، ذلك أن الانطباع الخارجي للصورة على المادة يتيح إمكانية اشتراك موجودات عدة في المادة وإن اختلفت في الصورة التي تهبها التميز والاستقلال "فاختلاف الموجودات إنما هو بالصورة لا بالهيولى، وذلك أنّا نجد أشياء كثيرة جوهرها واحد، وصورها مختلفة" (91). والحق أن هذه المقارنة يمكن أن تتم على مستوى المادة وعلى مستوى الصورة، وهذا قد يكشف آلية التضام بين العنصرين، فيمكن لجسم أن يشارك آخر "في صورته، مثل الحائط المبني من حجارة والحائط المبني من طين، فإنهما يشتركان في الصورة، ويختلفان في المادة... وإما أن يشاركه في المادة ويخالفه في الصورة مثل الإبريق والطست إذا كانا جميعاً من جوهر واحد: إما نحاس، أو فضة، أو ذهب" (92).
وقد تطول المقارنة لدى ابن سينا الفن، فالصنم "المصور المركب من نحاس وصورة إنسان، إذا وجد النحاس بلا صورة إنسان، وجد تلك الصورة بلا نحاس" (93)، ذلك أن الأجسام الطبيعية مركبة من مادة هي محل وصورة هي حالة فيه، ونسبة المادة إلى الصورة نسبة النحاس  إلى  التمثال (94)، وعلى كلٍّ يتيح المنظور المزدوج مقارنة صريحة بين طرفي الشيء، وتحت تأثير هذا المنظور يمكن تصور تفاوت بين العنصرين فكل "صنعة تتعلق بمادة وصورة، وبحسب اختلاف كل واحد من المادة والصورة يختلف المصنوع في الصنعة. فربما كانت الصورة فاضلة ولم تكن المادة فاضلة، كما يتفق  أن يبنى البيت من خشب نخر وطين سبخ، ثم يوفى حقه من الشكل والرسم، ولا يغني ذلك، ولا يبلغ به الغرض الأقصى من الانتفاع به، والسبب فيه رداءة مادته. وربما كانت المادة فاضلة، لكن الصورة غير فاضلة، كما يتفق أن يبنى بيت من خشب صلب وحجارة صلبة بناء غير محكم في تركيبه ووضعه وهندامه وشكله، فيعدم فائدة استجادة خشبه وحجارته لاستفساد صورته، وربما اجتمع الأمران جميعاً" (95).
ومصدر هذا التصور المفكك للعنصرين ميتافيزيقي يومئ بانطباع صوري خارجي على مادة موجودة بالقوة تتشكل وفق هذا الانطباع، فتوهب وجودها حسب خصوصية الصورة المنطبعة، وعلى الرغم من إقرار الفلاسفة بأن لا  وجود فعلي للهيولى خارج الصورة، فإن ذلك لا يمنع من إجراء مقارنة بين مكوني الشيء، والحق أن طبيعة البحث في الطبيعيات وفي المنطق على الخصوص توفر إمكانية التصور الثنائي بشكل حاد. وصلة المنطق بالميتافيزيقا واردة لدى الفلاسفة اتباعاً لسنة أرسطو، "فالمنطق لم يوضع فقط ليكون منهجاً للعلم الأول عند أرسطوطاليس، بل اتصلت حقائق المنطق بحقائق الميتافيزيقا اتصالاً كلياً" (96)، وهذا الاتصال يتجسد في قيام هذا المنطق على الصورية والمادية معاً، فإذا كانت صورية هذا القياس الذي يأخذ به الفلاسفة الإسلاميون تكمن في بنائه الشكلي المجسد في عناصر تأليف كل قياس، فإن خصوصية المادة المضغوطة في هذا البناء الصوري هي التي تحدد للقياس نوعيته، فالمنطق عند ابن سينا "صوري ومادي في الوقت عينه (97). فبجانب الصورة مادة أيضاً، وإذا كانت هناك أقيسة علمية يقينية، فهناك أقيسة أخرى مشهورة وظنية في ميدان الجدل والخطابة (98).
من هنا يتنزل مبحث الخطابة والشعر لدى هؤلاء الفلاسفة ضمن جملة المنطق، ومرد ذلك إلى أن خصوصيتهما المؤسسة على مقدمات نوعية وتفيد إقناعاً أو تخييلاً، بالقدر الذي تكفل لهما التمايز النوعي، لا تمنع من انضوائهما تحت جملة المنطق (99).
ولا شك أن النصوص السابقة توفر إمكان الإقرار بفصل الفلاسفة بين المادة والصورة، والعوامل التي تؤكد هذا الفصل، هي بالإضافة إلى المنطلقات الفلسفية البحتة المترسخة أساساً في تمسك هؤلاء بفكرة الهيولى، تبدو أيضاً في محاولة إخضاع فكرة التضام بين العنصرين إلى منظور معياري، تخضع فيه المقارنة أحياناً لفكرة الجدوى التي يولدها "شكل" المادة أو مادة "الشكل"، أو يتسببان – في حالة التهافت – في فقدها. لكن مما قد يخفف غلواء هذا الفصل تسليم الفلاسفة المبدئي باستحالة وجود طرف في غياب الآخر، ذلك أن الوجود السابق للهيولى في كمون القوة ليس إلا محض افتراض فلسفي يهيئ لقبول فكرة الانطباع الصوري على المادة حيث إن "الهيولى لا تتجرد عن الصورة الجسمية" (100)، لأنه ليس يمكن في الهيولى أن توجد وحدها معرّاةً من الصورة ولا في الصورة وحدها أن توجد بلا هيولى (101).
ولعل تصور هذا الوجود المتكامل يصل إلى أعلى درجات نبضه حين يتعلق الأمر بعلائق المعاني بالألفاظ وتآلفها وأثر ذلك في بناء النص، إذ إنه سابق في تصور صانعي التراث أن لا إمكان لانبثاق المعنى  إلى  الوجود الفعلي إلا باللفظ، وهذا الانبثاق لا يتحقق له الكمال إلا بإيفاء حق التطابق بين الدوال والمدلولات مداه ليستحيل تصوراً ناضجاً يقوم على تلك المسلمات من جهة، ويترسخ في مصادرات أخرى تقوم على الوعي بعلائق الوحدات المتكاملة في النص بالاستناد إلى معاني النحو من جهة أخرى.

0 komentar:

Diberdayakan oleh Blogger.
ADIFAH 2220 © 2008. Design by :Yanku Templates Sponsored by: Tutorial87 Commentcute